تتواصل موجات الفوضى في مدينة تعز، ويتسع معها الشعور العام بانهيار منظومة الحماية التي يفترض أن تصون حياة المدنيين.
المكان الذي كان ينبغي أن يكون ملاذاً آمناً، تحول إلى ساحة تغطي فيها جرائم القتل والانتهاكات تحت غطاء "الانتحار" أو "الظروف الغامضة"، فيما يظل طريق العدالة وعراً ومسدوداً أمام الضحايا وذويهم.
وفي أحدث الحوادث المروعة، أفادت مصادر إعلامية بوفاة مجاهد الشعيبي داخل مقر الأمن السياسي بمدينة تعز، حيث عثر عليه داخل زنزانته وقد فارق الحياة.
ورغم إعلان إدارة السجن أن الوفاة ناجمة عن "انتحار"، إلا أن الملابسات المحيطة بالحادثة أثارت موجة من الغضب والشكوك الواسعة، خصوصاً بعد نقل الجثة إلى مستشفى الثورة دون تقديم رواية شفافة أو نتائج تحقيق أولية.
وتزامنت التطورات مع تصريحات لقيادات عسكرية سابقة في تعز، أشارت إلى أن الشعيبي – وهو أحد الموقوفين في تحقيقات تتعلق باغتيال مسؤول أمني بارز – ربما تعرض لعملية تصفية داخل مقر الاحتجاز، قبل أن تنسب وفاته لاحقًا إلى "الانتحار".
هذه الرواية جاءت على لسان القيادي السابق معتز الأعرج، الذي تحدث عن نقل الجثة من مقر الأمن السياسي إلى السجن المركزي ومن ثم الإعلان عن الوفاة بشكل ملتبس.
هذه الوقائع تعمق منسوب القلق إزاء استمرار الانتهاكات داخل السجون وأماكن الاحتجاز، وتثير أسئلة ملحة حول مصير التحقيقات التي لم تعلن نتائجها حتى الآن، وحول الدور الغائب للمؤسسات القضائية والرقابية في حماية حقوق المحتجزين وضمان شفافية الإجراءات.
تعز اليوم تقف أمام لحظة فارقة، بين فوضى السلاح وتآكل مؤسسات الدولة، يتكرس نمط خطير من الإفلات من العقاب، فيما يظل حق الضحايا معلقاً بين روايات متناقضة وتحقيقات لا ترى النور.
إن استمرار هذه الانتهاكات يعد مؤشراً خطيراً على انهيار منظومة العدالة في المدينة، ويمثل تهديداً مباشراً للحقوق الأساسية للمواطنين. ويصبح لزاماً على الجهات المختصة:
فتح تحقيق مستقل وشفاف في ظروف وفاة مجاهد الشعيبي.
الكشف عن نتائج التحقيقات للرأي العام.
محاسبة أي جهة أو فرد يثبت تورطه في إساءة معاملة المحتجزين أو التسبب بوفاتهم.
وقف ممارسات الاحتجاز خارج القانون وتعزيز رقابة النيابة على أماكن الاحتجاز.
الصمت على هذه الجرائم مشاركة فتعز - التي أنهكها الفساد والفوضى - تستحق نظام عدالة لا يخضع لسطوة السلاح ولا للنفوذ الحزبي، بل يحمي الإنسان ويعيد للمدينة حداً أدنى من الأمان المفقود.
