في أحد شوارع مانشستر الهادئة، التقطت عدسات الهواتف لحظة بدت أكبر من مجرد اعتقال.
امرأة بريطانية مسنة، تبلغ من العمر 85 عاماً وتدعى بات، وقفت بظهر منحني وصوت مرتجف، لكنها رفعت لافتتها بثبات:
أنا أعارض الإبادة الجماعية.. أنا أدعم Palestine Action.
كانت مشاركتها في احتجاج سلمي دفاعاً عن أطفال ونساء لا تعرفهم، لكنها شعرت بآلامهم عبر شاشات العالم.
ورغم سنها وضعف جسدها، رفضت بات إنزال لافتتها.. فكان الاعتقال.
أوقفتها الشرطة البريطانية بموجب المادة 13 من قانون الإرهاب، بعد أن صنفت الحكومة البريطانية منظمة Palestine Action كمنظمة إرهابية في يوليو الماضي.
مشهد اعتقال امرأة في الثمانين من عمرها بتهمة "الدعم الإرهابي" طرح سؤالاً واحداً يجلجل:
أي إنسانية هذه التي تحاصر امرأة مسنة لأنها رفضت الصمت؟
وكيف يمكن أن يعامل طفل مدفون تحت الأنقاض، أو امرأة تركض بين الركام في غزة، كتهديد أمني؟
أي منطق يساوي بين صرخة مظلوم وسلاح قاتل؟
بات لم تفضح بريطانيا فقط.
بل كشفت هشاشة الخطاب الغربي الذي لطالما تحدث عن الحرية وحقوق الإنسان، ثم تلاشى كل شيء عندما وصل الأمر إلى الطفل الفلسطيني والمرأة الفلسطينية.
كانت لحظة الاعتقال مهينة..
سقوط رمزي لكل الشعارات اللامعة التي طالما تغنى بها الغرب.
أمام النظارات السوداء للشرطة، لم يعد لحقوق الطفل ولا لكرامة المرأة أي معنى.
بات أصبحت مرآة.
مرآة تعكس ازدواجية المعايير الدولية..
تعكس عالماً يبكي على كييف ويغض الطرف عن غزة.
عالماً يجرم التضامن ويحاصر صوت العدالة.
لكن الأهم..
أن بات لم تنكسر.
صورتها وهي تقتاد رغم سنها أصبحت وثيقة حيّة تسأل:
في أي عصر نعيش؟
وأي قيم تحكم هذا العالم؟
شكراً يا بات،
لقد رفعتِ صوتاً حاول الكثيرون إسكاته.
وشكراً لأنك جعلت العالم يرى نفسه في مرآة الحقيقة..
ولو للحظة.
